من انسحاب الإمارات إلى استهداف مكة.. الحوثيون يصعدون.. خيارات السعودية وورقة إيران الجديدة!
في غضون أيام تغيرت خريطة الحرب بالساحل الغربي لليمن بعد سيطرة الحوثيين على المخا ووصولهم إلى ذوباب وجزيرة ميون في قلب مضيق باب المندب وسقطت في أيديهم جزر زقر وحنيش الكبرى والصغرى.
وتتجاوز أهمية ما حدث حدود اليمن، فالتقدم الحوثي يأتي في لحظة استثنائية من الحرب الإقليمية حيث تعطل إيران منذ أشهر حركة الملاحة في مضيق هرمز ما اضطر السعودية إلى تحويل جزء كبير من صادراتها النفطية نحو البحر الأحمر، فيما تعرض خط أنابيب شرق - غرب الذي يشكل الشريان البري الرئيسي لتجاوز هرمز لهجمات بطائرات مسيرة قالت الرياض إنها جاءت من العراق.
وما يبدو للوهلة الأولى تقدما عسكريا حوثيا داخل اليمن يكشف كذلك كيف أصبحت طهران تمتلك بصورة مباشرة في هرمز وبصورة غير مباشرة عبر الحوثيين في اليمن، أدوات ضغط عند عنقي الزجاجة البحريين اللذين يحيطان بشبه الجزيرة العربية.
فما الذي تغير فعلا في اليمن؟ وهل باتت إيران تمتلك ورقة "المضيق الثاني"؟ وماهي خيارات السعودية؟.
من تهديد باب المندب إلى الوصول إليه
لم تبدأ قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة مع تقدمهم الأخير، فقد أثبتت الجماعة خلال الحرب على غزة قدرتها على استهداف السفن في البحر الأحمر باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والقوارب، وأدت هجماتها إلى تحويل جزء كبير من حركة الملاحة بعيدا عن باب المندب وقناة السويس نحو رأس الرجاء الصالح.
لكن ما تغير هو الجغرافيا وحتى قبل الهجوم الأخير، كان الحوثيون يسيطرون على صنعاء والحديدة وأجزاء واسعة من شمال وغرب اليمن، لكنهم لم يكونوا يسيطرون مباشرة على المناطق الساحلية المطلة على باب المندب، أما الآن فقد وصلوا إلى الشاطئ نفسه.
وعقب تلك التطورات، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة بشأن التطورات في باب المندب والبحر الأحمر، وسط دعوات إلى حماية الملاحة الدولية وخفض التصعيد ودعم المسار السياسي في اليمن.
وقال خالد خياري مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية إن الوضع في باب المندب والساحل الغربي لليمن يثير القلق، في ظل امتداد المواجهات إلى جبهات عدة داخل اليمن.
الحوثيون والوصول إلى باب المندب
تكشف كواليس الغرف المغلقة بين الرياض وواشنطن عن وجود مقاربات متباينة تجاه آليات احتواء التصعيد الميداني، وسط حسابات معقدة تتراوح بين السعي لتأمين ممرات الملاحة الدولية وحظر الانزلاق نحو مواجهات عسكرية مباشرة ومفتوحة مع الفصائل المسلحة في جنوب البحر الأحمر.
وأظهر التقدم السريع ضعف المعسكر الذي يفترض أن يمنع الحوثيين من الوصول إلى المضيق، وخلال سنوات الحرب تشكل في المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين خليط من الحكومة المعترف بها دوليا، وقوات محلية وفصائل ومجموعات مسلحة مدعومة بدرجات مختلفة من السعودية والإمارات، لكن هذا المعسكر لم يتحول إلى بنية عسكرية وسياسية موحدة قادرة على إدارة جبهة طويلة بصورة متماسكة، وفق تقرير نشره موقع إذاعة "مونت كارلو الدولية".
كما كشف التقدم الحوثي الأخير ثمن هذا التفكك، فالقوات الحكومية انسحبت من مواقع استراتيجية بسرعة، وسقطت مدن وجزر الواحدة تلو الأخرى، فيما تحدثت تحليلات عن ضعف التنسيق بين القيادات العسكرية والاستخبارات والقوات المحلية وخفر السواحل.
وفي حين تستطيع الطائرات استهداف مطار المخا أو مواقع الحوثيين، فإنها لا تستطيع السيطرة على جزيرة أو إدارة ساحل أو حماية موقع بعد استعادته فيما يبرز سؤال عن القوة البرية القادرة على استعادة المخا وذوباب وميون وحنيش، والاحتفاظ بهذه المواقع؟.
كذلك أدى تراجع الدور الإماراتي إلى ضعف المعسكر المناهض للحوثيين، فالإماراتيون أكثر فاعلية عسكريا في اليمن، وأدى تراجع نفوذ أبو ظبي والفراغ الذي أعقب التحولات في الجنوب إلى تسهيل الهجوم الحوثي، وفق التقرير ذاته.
استهداف مكة
ومع احتدام المواجهات العسكرية بين جماعة أنصار الله من جهة والحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية من جهة أخرى، أثار إعلان المتحدث باسم التحالف اللواء الركن تركي المالكي عن استهداف حوثي لمكة المكرمة موجة غضب عارمة في العالم الإسلامي نددت بالهجمات واعتبرت المشاعر المقدسة خطا أحمر.
وقال المالكي في بيان فجر الأربعاء إن المملكة نجحت في اعتراض وتدمير مسيّرة معادية أطلقها الحوثيون مساء الثلاثاء قبل دخولها المجال الجوي المحظور لمكة المكرمة.
وأضاف المالكي أن هذه المحاولة تعد الثانية لاستهداف مكة المكرمة بعد محاولتها الأولى بإطلاق صاروخ باليستي بتاريخ 27 يوليو 2017.
في المقابل، نفى الحوثيون الاتهام السعودي الموجه لهم باستهداف الحرم المكي، مؤكدين على لسان عدد من مسؤوليهم أن الجماعة لم تقصد مهاجمة مكة المكرمة وأن ما أطلقته كان موجها نحو أهداف عسكرية.
فراغ ما بعد انسحاب الإمارات
لم يحتج الحوثيون هذه المرة إلى سنوات لتغيير خريطة الساحل الغربي لليمن، فخلال هجوم خاطف تراجعت القوات التابعة للحكومة المدعومة من السعودية، ووصلت الجماعة إلى ذباب وجزيرة ميون في قلب باب المندب بعد سقوط المخا وجزر في البحر الأحمر، في انهيار يعيد طرح سؤال ظل يطرح منذ مطلع العام وهو الفراغ العسكري الذي تركته الإمارات بعد خروجها من اليمن.
وقالت "رويترز" يوم الجمعة نقلا عن أربعة مصادر حكومية يمنية، إن الحوثيين وصلوا إلى جزيرة ميون الاستراتيجية، فيما أكدت مصادر حكومية انسحاب القوات الموجودة فيها وسيطرة الحوثيين على ذباب بعد يوم من استيلائهم على المخا وجزر حنيش.
وحجم الخسارة لا يقاس بعدد المدن والمواقع التي تغيرت السيطرة عليها فقط، بل بقيمتها الاستراتيجية وبالوقت الذي احتاج الحوثيون إليه للوصول إليها فباب المندب لا يتجاوز عرضه 29 كيلومترا عند أضيق نقطة، وتقسمه جزيرة ميون إلى ممرين ملاحيين، بينما تمر عبره إمدادات نفط تعادل نحو 7% من الإنتاج العالمي، بحسب بيانات أوردتها "رويترز".
إن سيطرة الحوثيين على ذوباب وميون تمنح الجماعة موقعا بالغ الحساسية على الممر الذي يصل المحيط الهندي والبحر الأحمر بقناة السويس، لكن ما يجعل التطور أكثر دلالة هو تاريخ هذه الجغرافيا نفسها فالمناطق التي سيطر عليها الحوثيون كانت من أبرز ميادين العمليات التي قادتها الإمارات إلى جانب قوات يمنية حليفة لها ولا سيما التشكيلات الجنوبية وقوات الساحل، خلال سنوات الحرب.
وفي السياق، وصف مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية التحول الذي حدث مطلع العام بأنه إعادة هيكلة سياسية وعسكرية واسعة منحت الرياض نفوذا غير مسبوق في مناطق الحكومة اليمنية، لكن بعد أشهر باتت نتائج هذا الانتقال أمام اختبار ميداني جديد.
ووفق تقارير إعلامية، كشفت التطورات الميدانية فارقا بين مرحلتين من الحرب،
حيث أفادت بأنه خلال المرحلة التي كانت فيها الإمارات لاعبا عسكريا مباشرا قبل انسحابها، تركزت أبرز المكاسب الميدانية للتحالف في الجنوب والساحل الغربي بما فيها عدن والمكلا ومناطق الساحل وصولا إلى تخوم الحديدة، بينما لم تتمكن السعودية من تحقيق هدفها المعلن منذ 2015 والمتمثل في إنهاء سيطرة الحوثيين وإعادة الحكومة إلى صنعاء.
كما أنه ومنذ الغارات الجوية السعودية في ديسمبر 2025 وإخراج القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي من حضرموت والمهرة، بدأت الرياض عملية واسعة لإعادة دمج القوى المدعومة سابقا من أبو ظبي وتوحيد الهيكل التنظيمي للقوى المناهضة للحوثيين.
ومع ذلك، لم يؤد خروج الإمارات من اليمن إلى الوصول إلى الهدف المنشود، وبعد ثمانية أشهر فقط تواجه المنظومة الجديدة أكبر اختبار لها عند الساحل الغربي، والنتيجة حتى الآن ليست خسارة مواقع هامشية بل وصول الحوثيين إلى باب المندب نفسه.
خيارات الرياض
هذا التحول يضع السعودية أمام خيارات حاولت تجنبها طوال السنوات الماضية، فالرياض سعت منذ هدنة 2022 إلى الاحتواء والتفاوض، حيث أوضح تقرير إذاعة "مونت كارلو الدولية" أنه أمام السعودية نظريا خيار شن حملة واسعة لاستعادة الساحل والجزر، لكن ذلك يعني العودة إلى حرب برية من دون ضمان وجود قوة يمنية قادرة على تحقيق انتصار دائم.
والخيار الثاني، هو احتواء الوضع والتفاوض مع الحوثيين لكن قبول سيطرتهم على باب المندب ومحيطه قد يكرس امتلاكهم أقوى ورقة ضغط حصلوا عليها منذ بداية الحرب.
أما الخيار الثالث فهو محاولة تدويل المواجهة وجر الولايات المتحدة إلى تدخل أكبر.
أبعاد الموقف الأمريكي من التصعيد في اليمن
لم تعد حسابات الردع في المنطقة تقتصر على استعراض القوة العابر، بل ترتبط مباشرة برؤية الإدارة الأمريكية الجديدة لملفات الأمن الإقليمي.
وفي هذا الصدد، أفاد موقع "أكسيوس" الأمريكي نقلا عن مصادر مطلعة في الإدارة الأمريكية، أن الرئيس دونالد ترامب رفض طلبات رسمية قدمها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لشن ضربات عسكرية موجهة ضد جماعة الحوثيين في اليمن.
وذكرت المصادر الاستخباراتية أن ولي العهد اتصل بالرئيس ترامب مرتين يوم الخميس، وحثه على التدخل العسكري المباشر لوقف الهجمات الحوثية، إلا أن ترامب رفض الطلب.
وأكد مسؤولو الإدارة الأمريكية أن واشنطن لا تخطط حاليا لتدخل عسكري مباشر في هذا الصراع، تفاديا لفتح جبهات استنزاف جديدة للقدرات العسكرية الحليفة.
كما ذكرت "رويترز" عن مصادر مطلعة، أن واشنطن أبلغت الرياض أنها لا تعتزم تنفيذ عمل عسكري مباشر في الوقت الراهن، وعرضت بدلا من ذلك مشاركة المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف.
إيران وورقة "المضيق الثاني"
لا يمكن فصل هذا التقدم عن الحرب الأوسع بين إيران والولايات المتحدة، فمنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير أصبح مضيق هرمز في حكم المغلق أمام الجزء الأكبر من حركة الشحن التي كانت تعبره، وقبل الحرب كان نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر هذا الممر.
وفي حين أصبح هرمز ورقة الضغط الجغرافية التقليدية لإيران، يوجد الآن على الطرف الآخر من شبه الجزيرة العربية باب المندب الذي يصل المحيط الهندي والبحر العربي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط.
ووفق تقارير نشرت في هذا الصدد، اكتسبت إيران نقطة ضغط جديدة على خصومها في لحظة تواجه فيها الولايات المتحدة، فيما يكسب الحوثيون ورقة غير مسبوقة في مواجهتهم مع السعودية والحكومة اليمنية.
أزمة نفطية أخطر!
تعرض باب المندب لأزمة خطيرة من قبل، الحوثيين في 2024 دفعت الهجمات الحوثية على السفن عددا كبيرا من شركات الشحن إلى تجنب البحر الأحمر والالتفاف حول إفريقيا.
لكن الوضع اليوم مختلف جوهريا، ففي أزمة البحر الأحمر السابقة كان هرمز مفتوحا، أما الآن فإن التهديد الذي يواجه باب المندب يأتي في الوقت الذي يعاني فيه طريق التصدير الرئيسي للخليج عبر هرمز من تعطيل شديد.
فبعد إغلاق هرمز، زادت السعودية بصورة كبيرة كمية النفط المنقولة عبر خط أنابيب شرق - غرب الذي يمتد من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وبحسب بيانات منصة "كبلر"، بلغ متوسط صادرات الخام من ينبع نحو 3.8 ملايين برميل يوميا بين مارس ويوليو، أي ما يقارب خمسة أضعاف مستواها قبل الحرب.
وبذلك تحول البحر الأحمر من طريق إضافي للصادرات السعودية إلى شريان حيوي لتعويض هرمز قبل الأحداث التي شهدها المضيق.
وفي آخر التطورات في المنطقة وتأثيرها على أسواق الطاقة، أعلنت الرياض وقف خط شرق - غرب احترازيا بعد تعرضه لعدة هجمات بطائرات مسيرة قالت إن مصدرها العراق.
واختارت السعودية عدم الرد في هذه المرحلة بناء على طلب الحكومة العراقية مع احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أراضيها ومنشآتها.
وقالت وزارة الخارجية السعودية، في بيان رسمي، إن طائرات مسيرة قادمة من العراق نفذت الهجوم في 10 سبتمبر الجاري، مما أسفر عن وقوع إصابات بشرية وأضرار مادية يجري التعامل معها.
وأوضح مصدر مسؤول في وزارة الطاقة وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية (واس)، أن فرق الطوارئ والفرق الفنية باشرت تأمين الخط والتحقق من سلامته، دون أن تحدد الجهات الرسمية حجم الأضرار أو المدة المتوقعة لإعادة التشغيل.
جدير بالذكر أن خط "شرق-غرب" المعروف باسم "بترولاين" وتملكه وتشغله شركة "أرامكو" السعودية، يمتد على مسافة 1200 كيلومتر لنقل الخام من بقيق شرقي المملكة إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر، ويوفر هذا المسار الداخلي حلا بريا لنقل النفط دون المرور بمضيق هرمز.
ووفق بيانات وزارة الطاقة السعودية الصادرة في 12 أبريل الماضي، تبلغ الطاقة الاستيعابية القصوى للخط نحو 7 ملايين برميل يوميا، كما أكدت شركة أرامكو في تقرير نتائج الربع الأول لعام 2026، أنها رفعت التشغيل إلى الحد الأقصى لدعم الإمدادات عبر الساحل الغربي.
المصدر: RT + وكالات
إقرأ المزيد
هيئة بريطانية: زورق صغير يحاول اعتراض ناقلة نفط شرق عدن
أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO)، اليوم الخميس، تلقيها بلاغا بحادث وقع على بعد 75 ميلا بحريا شرق مدينة عدن اليمنية.
الحوثي ينفي استهداف مكة ويتهم السعودية بتشديدها الحصار
نفى قائد "أنصار الله" عبدالملك الحوثي، الاتهامات بخصوص استهداف أتباعه مكة المكرمة، واصفا تلك الاتهامات بأنها "افتراء وتضليل".
إعلام حوثي: طائرات سعودية تستهدف 3 أبراج للاتصالات في تعز جنوب غربي اليمن
أفادت قناة "المسيرة" التابعة لحركة "أنصار الله" الحوثيين، بأن طائرات سعودية استهدفت 3 أبراج للاتصالات في منطقتي الذكرة والحوبان بمديرية التعزية ومنطقة الراهدة بمديرية خدير.
مصدر عسكري حوثي ينفي "بشكل قاطع" وجود "أي خطر من جهة اليمن يستهدف مكة المكرمة"
نفى مصدر عسكري في حركة "أنصار الله" اليمنية (الحوثيون)، في تصريح لوكالة "سبأ"، بشكل قاطع وجود "أي خطر من جهة اليمن يستهدف مدينة مكة المكرمة أو غيرها من المقدسات".
ماذا قال السيسي وبن سلمان على أزمة اليمن وباب المندب؟
قالت الرئاسة المصرية، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، موقف مصر الثابت في دعم المملكة وكل الدول العربية في مواجهة الظروف الإقليمية الراهنة.
التعليقات